الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

157

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

مخصوصا بالحال الأول وبفرد مخصوص من غير أن يشمل الحال أو الفرد الذي أمر به ومنه النهي المتعلق بالجهاد في الأشهر الحرم والأمر المتعلق به بعد ذلك ويمكن أن يقال بخروج الوجه الأخير عن موضع المسألة ثم إما أن يكون حكمه الثابت له قبل الحظر هو الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو ممّا لم يصرح بحكمه في الشرع ويكون باقيا على مقتضى حكم العقل فيه وعلى غير الوجه الأخير فإما أن يكون ثبوت ذلك الحكم له في الشرع على وجه الإطلاق بالنسبة إلى الأزمان والأحوال والأفراد أو على سبيل الشمول للجميع فيندرج فيه الحال أو الفرد الذي تعلق الأمر به مع شمول الحظر الوارد عليه لما تعلق الأمر به بعده وعدمه أو لا يكون كذلك بل يختص بالحال السابق أو خصوص بعض الأفراد مما عدا ما تعلق الأمر أو النهي به بعد ذلك مع ورود أحدهما على مورد الآخر وعدمه وأنت خبير باختلاف فهم العرف حسب اختلاف تلك المقامات ففي بعضها لا يستفاد من الأمر إلا الإذن في الفعل ورفع الحظر الحاصل مع اختلاف الفهم وضوحا وخفاء بحسب اختلاف بعض الأحوال المذكورة وغيرها وفي بعضها يستفاد منه الوجوب مع اختلاف الحال فيه أيضا وفي بعضها يؤخذ بالحكم السابق وفي بعضها يتوقف عن الحكم ولا يظهر منه أحد الوجوه ولا يبعد خروج بعض تلك الصور عن محل الكلام وملاحظة التفاصيل المذكورة في بيان مفاد اللفظ لا يناسب أنظار أرباب الأصول إذ الملحوظ فيه القواعد الكلية الإجمالية دون التفاصيل الحاصلة في المقامات الخاصة فالأنسب بالمقام هو ما ذكرناه أولا من أن الأمر بالشيء بعد النهي عنه هل يكون في نفسه جهة باعثة على صرف الأمر عن معناه الظاهر أو لا والأظهر فيه ما عرفت فتأمل هذا وينبغي التنبيه لأمور الأول أن الكلام في المقام إنما هو في مفاد الأمر عرفا من جهة الوقوع عقيب الحظر لا فيما وضع اللفظ بإزائه بحسب اللغة أو العرف إذ لا وجه لاختلاف الموضوع له بحسب اختلاف المقامات كما يظهر من ملاحظة أوضاع سائر الألفاظ إذ لا تعدد في أوضاعها في الغالب على حسب اختلاف مواردها بل لا يكاد يوجد لفظ يكون الحال فيه على الوجه المذكور فالملحوظ بالبحث في المقام أن الوقوع بعد الحظر هل هو قرينة صارفة له على الظاهر وأنه لا دلالة فيه على ذلك أو أنه قاض بالوقف وربما يتوهم من عناوينهم كون البحث في المقام في موضوع الصيغة وليس الحال كذلك إذ عنوانهم للبحث بما ذكروه وتعبيرهم عن الأقوال بأنه للإباحة أو غيرها أعم من كونه موضوعا لذلك فإن اختصاص اللفظ بالمعنى كما هو يكون من جهة الوضوح له كذا قد يكون من جهة الظهور الحاصل بملاحظة المقام نظرا إلى القرائن العامة القائمة عليه مضافا إلى أن ما ذكرنا من وضوح فساد دعوى الوضع في المقام أقوى شاهد على عدم إرادته هنا نعم يظهر من السيد العميدي منعه كون الأمر مطلقا موضوعا للوجوب بل الموضوع له هو الأمر المبتدأ دون الوارد عقيب الحظر وهو إن حمل على ظاهره موهون جدا كما عرفت وربما ينزل عبارته أيضا على ما ذكرناه الثاني أن المذكور في كثير من كتب الأصول فرض المسألة في وقوع الأمر عقيب الحظر والظاهر من ذلك ورود وقوعه بعد الحظر المحقق دون المحتمل لكن لا يبعد جريان الكلام في وقوع الأمر بعد ظن الحظر بل في مقام توهمه كما لو وقع السؤال عن جواز الفعل فورد في الجواب الأمر به يشهد بذلك فهم العرف وقد نبه على ذلك غير واحد من المتأخرين الثالث لو وقع الأمر بالشيء بعد الكراهة فهل الحال فيه كالواقع عقيب الحظر وجهان ويجري ذلك في الوارد عقيب ظن الكراهة وتوهمه كما لو سئل عن كراهة الشيء ومرجوحيته فورد الجواب بالأمر به الرابع يجري الكلام المذكور في ورود النهي عن الشيء عقيب وجوبه بأنه هل يراد به ما يراد بالنهي الابتدائي أو يكون ذلك قرينة على إرادة دفع الوجوب أو يتوقف بين الأمرين ويحكى عن بعض الفرق بين الأمرين الوارد عقيب الحظر والنهي الوارد عقيب الإيجاب فقال بأن الثاني يفيد التحريم بخلاف الأول فإنه لا يستفاد منه الوجوب واستند في الفرق بين الأمرين إلى وجهين واهيين أحدهما أن النهي إنما يقتضي الترك وهو موافق للأصل بخلاف الأمر لقضاء الأمر بالإتيان بالفعل وهو خلاف الأصل فحمل الأول على التحريم بإيجابه ما يوافق الأصل لا يقضي بحمل الثاني على الوجوب مع إيجابه ما يوافقه والآخر أن النواهي إنما تتعلق بالمكلف لدفع المفاسد بخلاف الأوامر فإنها لجلب المنافع واعتناء الشارع بدفع المفاسد أكثر من جلب المنافع فما يكتفي به في صرف غير الأهم لا يلزم أن يكتفي به في صرف الأهم ثالثها قد عرفت أن الأمر حقيقة في مطلق الطلب وأن الظاهر من الطلب مع الإطلاق هو الطلب الحتمي الإيجابي فيكون انصراف الأمر إلى الوجوب لظهوره من الإطلاق لا لكون الصيغة حقيقة فيه بخصوصه كما ظن في المشهور وحينئذ نقول إنه كما ينصرف الأمر حين الإطلاق إلى الوجوب كذا ينصرف إلى الوجوب النفسي المطلق العيني التعييني فكون الوجوب غيريا أو مشروطا أو كفائيا أو تخييريا يتوقف على قيام الدليل عليه كتوقف حمل الطلب على الندب على قيام قرينة عليه وانصراف إطلاق الأمر إلى ما ذكرناه سواء قلنا بكونه حقيقة في الطلب كما هو المختار أو حقيقة في الوجوب كما هو المشهور مما لا مجال للريب فيه أما بالنسبة إلى انصرافه إلى العيني التعييني فظاهر لوضوح توقف قيام فعل الغير مقام فعل المكلف وكذا قيام فعل آخر مقام ذلك الفعل على ورود الدليل وأما انصرافه إلى الواجب المطلق دون المشروط فظاهر إطلاق اللفظ كاف في إفادته لتقييد الوجوب في الواجب المشروط بحصول الشرط فلا يحكم به إلا بعد ثبوت التقييد وعن السيد المرتضى إنكار ذلك فيتوقف حمله على أحد الوجهين على قيام الدليل عليه وهو إن حمل على ظاهر ما يتراءى منه ضعيف وقد ينزل كلامه على ما لا يخالف ما قررناه وسيجيء تفصيل القول فيه عند تعرض المصنف له إن شاء الله وأما انصرافه إلى الواجب النفسي فيمكن الاستناد فيه إلى وجهين أحدهما أن ذلك هو المنساق عرفا من الإطلاق فإن ظاهر الأمر بشيء أن يكون ذلك الشيء هو المطلوب عند الأمر حتى يقوم دليل على خلافه كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات فذلك هو المنع إلا أن يظهر من المقام كون الطلب المتعلق به من جهة حصول مطلوب آخر بحيث يترجح ذلك على الظهور المذكور أو يساويه فيحكم بمقتضى الثاني في الأول ويتوقف بينهما على الثاني ثانيهما أن الوجوب الغيري إنما يدور حصوله مدار ذلك الغير فيتقيد وجوبه إذن بوجوب الغير وقد عرفت أن تقييد الوجوب خلاف الأصل لقضاء ظاهر الإطلاق بإطلاق الوجوب نعم إن ظاهر التقييد من المقام أو من الخارج كان تبعا وهو أمر آخر مضافا إلى أن القول بوجوب ذلك الغير أيضا مخالف للأصل